السيد محمد حسين فضل الله
13
من وحي القرآن
اللّه مدبر الخلق هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وقد تقدم الحديث عنها في الآيات المماثلة لها ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ في تعبير كنائي عن التدبير الإلهي الذي يمثل السيطرة المطلقة التي تشرف على الوجود كله ، في ما يمثله الاستواء على العرش الذي هو رمز السلطة ، من هيمنة وإشراف فعلي من موقع السلطة على إدارة الحكم في مواقعه . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها لأنه هو الذي يخلق ويدبر الأشياء التي تدخل في أعماق الأرض من مصادر النعم ، كالماء الذي ينزل من السماء ، والبذور التي تكمن في الأرض ، ومن الموجودات الحية وغيرها ، كما يخلق الأشياء التي تخرج منها ، كأنواع النبات والحيوان والماء ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والأشعة والملائكة وَما يَعْرُجُ فِيها من مخلوقاته أو من القضايا التي لا تعلم طبيعتها . وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ لأنه محيط بكل وجودكم ، فلا تغيبون عنه مقدار لحظة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا يخفى عليه شيء من دقائق أعمالكم وأسرارها وخفاياها ، الأمر الذي يفرض عليكم الاستغراق في إيحاءات ذلك ، في ما يثيره في داخلكم من المشاعر التي تفتح العقل والحس والوجدان على الرقابة الداخلية التي ترصد كل شيء في القول والفعل ، ليكون ذلك كله في مواقع رضا اللَّه في ساحات أوامره ونواهيه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فليس لأيّة قوة أخرى علاقة بالخلق في دائرة المبدأ ، فلا يكون لها أي دخل في دائرة المعاد وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ، فهو الذي يفصل بين عباده ، وهو الذي يحدد لهم مصيرهم ، فليس لأحد أن يتوجه إلى غيره أو يراقبه ، أو يتطلب رضاه بعيدا عن رضا اللَّه ، لأن اللَّه هو وحده الذي يرجع الأمر كله إليه .